أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
185
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقرأ العامة : « نَتْلُوها » بنون العظمة وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم . وقرأ أبو نهيك « يتلوها » بالياء من تحت ، وفيه احتمالان : أحدهما : أن يكون الفاعل ضمير الباري تعالى لتقدّم ذكره في قوله « آياتُ اللَّهِ » ولا التفات في هذا التقدير بخلاف قراءة العامة . والثاني : أن يكون الفاعل ضمير جبريل . قوله : لِلْعالَمِينَ اللام زائدة لا تعلّق لها بشيء زيدت في مفعول المصدر وهو ظلم . والفاعل محذوف ، وهو في التقدير ضمير الباري تعالى ، والتقدير : وما اللّه يريد أن يظلم العالمين ، فزيدت اللام تقوية للعامل لكونه فرعا كقوله تعالى : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ « 2 » وقيل : معنى الكلام : وما اللّه يريد ظلم العالمين بعضهم لبعض . وردّ هذا بأنه لو كان المراد هذا لكان التركيب ب « من » أولى منه باللام ، فكان يقال « ظلما من العالمين » فهذا معنى ينبو عنه اللفظ ، ونكّر « ظُلْماً » لأنه في سياق النفي ، فهو يعمّ كلّ نوع من الظلم . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 110 ] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ( 110 ) قوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ : في « كان » هذه ستة أقوال : أحدها : أنها ناقصة على بابها ، وإذا كانت كذلك فلا دلالة على مضيّ وانقطاع ، بل تصلح للانقطاع نحو : « كان زيد قائما » وتصلح للدوام نحو : إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً « 3 » وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً « 4 » ، فهي هنا بمنزلة « لم يزل » وهذا بحسب القرائن . وقال الزمخشري : « كان » عبارة عن وجود الشيء في زمن ماض على سبيل الإبهام ، وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع طارىء ، ومنه قوله تعالى وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * وقوله : « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ » كأنه قيل : وجدتم خير أمة » . قال الشيخ « 5 » : قوله « لم تدلّ على عدم سابق » هذا إذا لم تكن بمعنى « صار » فإذا كانت بمعنى « صار » دلّت على عدم سابق ، فإذا قلت : « كان زيد عالما » بمعنى « صار زيد عالما » دلّت على أنه انتقل من حالة الجهل إلى حالة العلم ، وقوله : « ولا على انقطاع طارىء » قد ذكرنا قبل أن الصحيح أنها كسائر الأفعال يدلّ لفظ المضيّ منها على الانقطاع ، ثم قد تستعمل حيث لا انقطاع ، وفرق بين الدلالة والاستعمال ، ألا ترى أنك تقول : « هذا اللفظ يدلّ على العموم » ثم قد يستعمل حيث لا يراد العموم بل يراد الخصوص . وقوله : « كأنه قيل وجدتم خير أمة » هذا يعارض قوله : « إنها مثل قوله : « وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً » لأن تقديره « وجدتم خير أمة » يدلّ على أنها التامة وأن « خَيْرَ أُمَّةٍ » حال . وقوله : « وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً » لا شك أنها هنا الناقصة فتعارضا » قلت : لا تعارض لأنّ هذا تفسير معنى لا تفسير إعراب . ( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 27 .
--> ( 2 ) سورة هود ، آية ( 107 ) . ( 3 ) سورة النساء ، آية ( 16 ) . ( 4 ) سورة الإسراء ، آية ( 32 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط 3 / 28 .